لسبب ما انتشر عند فئة غريبة وغير مفيدة من البشر أني أكتب، وأكاد أجزم أنهم لم يقرأوا لي شيئاً، ولا يعرفون ما نوعية كتاباتي، المهم أني أكتب في جريدة ومجلة هذا ما يهم.
فعلى سبيل المثال سأذكر لكم بعض القصص التي واجهتها مع هذه الفئة، لنبدأ بالنادل ( الغرسون ) في أحد المقاهي التي أحب أن أرتادها، لاحظ طلبي للورقة والقلم أحيانا عندما يهل علي الإلهام، وعرف أني أكتب في أحد الأماكن، ولأنه من جنسية أجنبية.. فقد كان يؤمن بأن الكاتب له سلطة رابعة وخامسة وعاشرة، وليس سلطة ( كالتي تقدم في المطاعم ) لم يكن يعرف صاحبنا أني لا أهش ولا أنش، وأني أصاب بحالة فرح غير عادية أن سمعت أن أحداً قرأ مقالتي، وذلك لمعرفتي بضعف شهية الناس للقراءة في مجتمعنا، يستقبلني هذا النادل بابتسامة غريبة هذا المساء وأقول : الله يستر ما هي طلباته اليوم، وأجده بدأ بسرد مشكلته، وهي أن راتبه قليل وصاحب المطعم وعده بزيادة راتبه، ولكنه لم يف بوعوده، وأنه تقدم بشكوى في وزارة الشئون الإجتماعية، وبما أني كاتبه وأكيد لي معارف وعلى أساس أني أملك ' سلطة ' - فهو يريد أن أساعده، ولكن من وجهة نظري أنها تشبه كثيرا السلطة التي تقدم في مطعمهم! وأنا في داخلي أحسد شجاعته أنه تقدم بشكوى، وأنا أقصى ما يمكنني هو كتابة وإنتقاد الجوانب السلبية في مجتمعنا كنوع من التنفيس .. أكثر من كونه سيجدي نفعا مع أي جهة أو سلطة!
وكانت تلك آخر مرة أزور فيها مقهاي المفضل .. تلك هي ضريبة دفعتها أنا لأني كاتبه مغمورة!
عامل يقوم بغسل السيارات في مكان عملي، عرف لسبب ما أني كاتبة، وكانت علاقتي معه لا تتعدى السلام لأن سيارتي تغسل بالبيت، وأجده أقبل علي بإبتسامة بت أعرفها وأخاف منها، هذه الإبتسامة ملأت وجهه الأسمر، وقال لي : أختي سمعت أنك كاتبه تعرفين أحد يقدر يمدد إقامتي، وقام بشرح مفصل عن سبب إستحقاقه للإقامة، وأنا أتمنى أن ينتهي حتى أقوم بتسجيل حضوري للعمل ولا يحتسب علي تأخير .. أهو يتكلم وأنا أفكر كيف سأهرب منه بطريقة لبقة، وفكرت أن سأتأخر بسببه عن العمل، وها هو مقر العمل أمامي، مشاعر مختلطة عشتها .. إنتهت بتسجيل تأخير لي، ومن يومها أركن سيارتي في أبعد مكان يمكن أن يلمحني فيه ذلك العامل الذي كان متوقعاً أن لي ' شنه ورنه ' ليته يدري بالحال ولكن .. لن يفهم وتلك ضريبة أخرى دفعتها لا لشيء بل لأني كاتبه مغمورة!
سلسلة من السخافات أتلقاها من هذا وذاك لأني أكتب، فالبعض يقترح علي مواضيع قمة في السخافة والسذاجة ويعتبر نفسه أسدى لي معروفاً ! وآخر إقتراح علي أن يكتب لي مقالاتي ولمح لي بأنني كريمة وهو يستاهل ظنا منه بأني أتقاضى مبالغ مقابل كتاباتي، البعض يعتقد أن الكاتب إنسان صاحب سلطة والكتابة تدر عليه مبالغ خيالية، ولكنهم لا يعرفون أنني عن نفسي أحفر بالصخر حتى بدأت أكتب وظللت سنوات أكتب وأكتب إلى أن تمت ترقيتي منذ أشهر لصفحة المقالات بعد صبر سنين، وهل تعلمون ما هو أتعس شيء ؟ .. عندما يجري تعريفك إلى شخص وغالباً ما يكون كل شخص يتم تعريفك عليه يقول ' أنا أيضا ودي أكتب أحس وناسه وأبي الناس تعرفني ممكن تتوسطين لي يصير عندي زاوية بالقبس ' ؟!
هنا أحس بضيق وغضب وحنق شديد لهذه النظرة السطحية، ولكن هل تعلمون : كل هذه المعاناة تزول إن سمعت أي كلمة تشجيع من أب أو أم أو زميل أو صديق .. أو غريب ..
وأدعو لي يصير عندي سلطة وأوعدكم أن أحقق لكم كل مطالبكم خاصة المساكين لأنهم يدلون دربي .. وأوعدكم أن لا أهرب منكم بعدها.