فن الحوار السخيف
-

فن الحوار السخيف

14/1/2009

من اهم مميزات الانسان قدرته على الكلام وهي اهم ما يميزه عن باقي المخلوقات التي تجد صعوبة في التعبير عن طريق النطق، ومع هذا فهناك من البشر من لا يستخدم هذه القدرة بشكل جيد ويوظفها فقط في الحوارات الغبية والجدالات العقيمة، وغالبا ما تكثر هذه الحوارات المأخوذ خيرها في المحافل الرسمية التي تعد الاكثر اهمية وتقرأ في اهم المؤتمرات في صيغة توصيات مكررة اللهجة ومملة تفتقر الى الابداع والشعور بأنها حقيقية.
ويتكرر موضوع الحوارات السخيفة في حياتنا اليومية وتجد الحوار الاكثر سخافة الذي يكون مع الغرباء، ويدور حول الاحوال الجوية وكأننا لا نعلم ما يدور في الهواء، ولكنه الموضوع الذي يثار مع أي غريب وهو موضوع ممل ومستهلك.
ننتقل الى حوار آخر ممل، وهو غالبا ما يكون حوار ما بعد السفر، خصوصا ان تكرر على مسامعك للمرة المليون، ففي المرة الاولى يكون جيدا تبادل الطُرف ومغامرات السفر، ولكن تكرارها على مدى عام يصيب الغير بملل غير عادي يزيده جلوس شخصين سافرا معا وبدآ باسترجاع الذكريات والضحك عليها، وانت جالس كالاطرش في الزفة تنتظر انتهاء حواراتهما المكررة.
وهناك حوار يعد الاكثر غرابة والاكثر صعوبة في نظري، وهو الحوار الذي يتم في المصعد، فحين تدخله وتلقي السلام يسود صمت غير مريح او حوار مهم جدا بتفاصيل مقطوعة او حوارات ظريفة يتخللها طرافة تضحك الغريب وعلاقة الناس تكون غريبة في المصعد اما ان يكونوا متحفظين جدا او العكس تماما!
الحوار عن العمل دائما يفتح معه هموما لا تهم من يسألك عنه، ومع هذا نرهق الغير بتفاصيل غير مهمة عما نواجهه من مصاعب في عملنا وفي علاقتنا مع مسؤولينا وسرد وقائع لا تعنيهم، ولكن نقولها من باب الفضفضة، لذا يضطر الآخرون الى تحملنا، ولكن يجب ان نتجنب ان نعيد ونكرر هذا الحوار حتى لا يتحاشى الغير مجلسنا.
الحوار عن مدح الذات او النفس هو الاكثر تنفيرا، وأود لو يمتنع الشخص عن الاسترسال فيه لانه يصيب الغير بحالة من الانزعاج التي من الممكن ان تنقلب الى كره مع تكرار المديح المستمر، وعلى مدى كل الحوارات لانه في النهاية لا يعنينا هذا المديح شيئا الا اذا كان في حدود المعقول والمقبول. الحوار السياسي هو الاكثر ارهاقا على الاطلاق تكثر فيه التنظيرات ويتفنن الناس بعرض وجهات نظرهم على انهم محنكون في الشأن السياسي رغم انهم عكس ذلك، ناهيك عن فرضهم لآرائهم معتقدين انها الاصح، وتظل نظرية المؤامرة غير فاسدة تصلح لاي مكان واي حدث واي زمان لا يملها من يؤمن بها، حديث السياسة ممل الى درجة الموت وغالبا ما تحتويه عصبية وانفعال، واحيانا يؤدي إلى خلافات جدية بسبب قناعات شخصية لا تستحق كل هذا الجدل والنزاع، لذا انصح بالتقليل من هذه الحوارات. فالسياسة لا تعني الجميع لا سيما ان كانت مجرد آراء!
ويظل الحوار رغم سهولته الفن الاكثر صعوبة، فقدرة الانسان على جذب الآخر بحوار مريح بسيط جميل فن لا يجيده الكثيرون، ولكن إن تحلى الشخص بالقبول الرباني، يظل اسخف حوار هو الحوار الاكثر متعة في التاريخ، ان قاله، ولكن من منا يمتلك هذا القبول؟ ومن لم يمتلكه لا بد ان يتحاشى الحوارات المملة ويحاول تطوير مهارات الحوار لديه.

قفلة:
موقع الفيس بوك جعلنا نتواصل مع ناس نعرفهم بشكل سطحي وبعضهم بشكل قريب وآخرين منذ الطفولة، وفرقتنا عنهم الايام، ولكن تلك الكلمات والحوارات والصور التي نتشارك بها جعلتنا نتعايش معهم بشكل مستمر وشبه يومي، وقربت تلك المسافات التي لا تستطيع الحوارات السريعة ان تكشف لنا مدى عمق شخصية الغير، واعد نفسي من محبي هذا الموقع الذي جعلني ارى الجانب الآخر من الناس خصوصا انني مؤمنة بأن الكتابة تعبر اكثر من الكلام احيانا!
تقييم المقاله :
ارسال المقاله لصديق